نورٌ على نور " يهدي الله لنوره من يشاء "
إلى تلك الروح الغائبة عن سماء عينيّ .. والمحلقة من حولي .. إلى كل من يبحر بين حروفي .. إليكم أهدي كلماتي .. نــ الـزهـراء ــور

قصص القرآن الكريم و واقع حياتنا

قصص القرآن والحياة

 

قصص القرآن الكريم هي رسالة سامية بفحواها ،  و كل قصة لا تحكي ما جرى  فقط  في الأزمنة الغابرة وإنّما تحاكي الحاضر والمستقبل ، عندما تخاطب أبعاداً في الانسان لا يبدّلها الزمان والمكان سوى ما يتعلق بطريقة التعبير وأنماط الحياة ...

كما أنّها تصوّر طرفي الصراع : الخير والشرّ ، والعدل والظلم ، والصلاح والفساد ، والاستقامة والانحراف ،  وعاقبة كل موقف والظروف المحيطة به والمؤثرة فيه والناتجة عنه ، كما أنك تتعاطف وبشكل تلقائي مع البطل والشخصية الخيّرة .
وما علينا سوى أن نسمح لهذه القصص الكريمة أن تحاكي حياتنا حتى نجدها حيّة تعيش بيننا من جديد .

 

النموذج الأوّل :

 

صراع الخير والشر  ( قصة قابيل وهابيل )

 

1 ـ قوله تعالى : (واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ ) هو دعوة لسرد القصّة كما هي بلا تحريف ولا زيادة ولا نقصان ، أي الطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتحدّث عن الحدث كما حدث ، وهذه لفتة قرآنية في ضرورة تحرّي الدقّة في النقل لأيّ واقعة .
2 ـ القصّة ذات مشهدين :

مشهد عبادي يتحدّث عن تقديم القربان ومشهد حواري يتصاعد فيه الحدث إلى نقطة الذروة ووصول الصراع إلى القتل.

المشهد الأوّل :

 ويلخّصه لنا قوله تعالى : (إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر ) ، فـ(هابيل) كان قد تقرّب بكبش سمين ، فيما تقرّب (قابيل) بحزمة من سنابل القمح ، قدّم (هابيل) أفضل ما عنده ، وقدّم أخوه أدنى ما عنده ، ويبدو أنّ قربان كلّ منهما يدلّ على نفسيّة وشخصيّة كل منهما ، و كان بإمكان (قابيل) تقديم كبش كما فعل أخوه ، لكنّه بخل وقبض يده ناسياً أنّه يتعامل مع الله الذي يجب أن لا يبخل معه بشيء ، لأنّه واهب ورازق كلّ شيء ، وهو ـ أي الله تعالى ـ لا يناله لا من الكبش ولا من القمح شيء .

 ففي أضحيات الحج يريد الله للحاج أن يصل قربانه إلى الجياع والفقراء : ( لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن ينالهُ التقوى منكم ) . وهذا هو الشرط الأوّل في القربان (إنّما يتقبّل الله من المتّقين ) .
 إن علاقة التقوى ـ وهي طلب رضا الله ـ بالقربان ، علاقة تقدير لمقام الله تعالى من جهة العبد نفسه ، وإنّ مَنْ يحبّ أكثر يقدّم أكثر ، إن كان بإمكانه ذلك ، ولذا فالبخل مع الله هو بخلٌ في عطاء الله (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) وهو علامة الاستهانة بمقام الله عزّ وجلُّ

المشهد الثاني :

ويلخّصه قوله تعالى : (قال : لأقتلنّك ) ! (أي قول قابيل) . ـ (قال : إنّما يتقبّل الله من المتّقين ) ، (وهو قول هابيل) الذي أضاف : (لئن بسطتَ إليَّ يدكَ لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إنِّي أخاف الله ربّ العالمين )
هذا المشهد الحواري المقتضب يلخّص لنا هويّة الأخوين وطبيعة كلّ منهما الفكرية والنفسية .
(قابيل) : حسود ، حقود ، انفعالي ، يحكّم غريزته ، ويحاول أن ينفّس عن حسده وحقده بقتل أخيه ، وهو إلى ذلك جاهلٌ لا يعرف أنّ القبول وعدم القبول بيد الله لا بيد أخيه ، فلا ذنب لـ (هابيل) بقبول الله لقربانه وعدم قبوله لقربان أخيه . وقد يكون عالماً بذلك لكن حسده أعماه فلم يعد يبصر نور الحقيقة وهو ساطع .
أمّا (هابيل) فيظهر لنا : عارفاً بالله ، ومتيقناً أنّ القبول مشروط بالتقوى ، أي أن يكون العمل خالصاً لله وابتغاء مرضاته ، وهو لا يتعامل بطريقة ردّ الفعل الاستفزازية ، وإنّما يحكّم عقله ودينه في النظر إلى الأمور . فهو لمعرفته أنّ القتل عند الله شنيع لم ينسق إلى مقاتلة أخيه.


دروس القصة (أوجه المقارنة) :
1 ـ الإيمان ليس مجرد فكرة في الداخل ، وإنّما هو عمل في الخارج .

 2 ـ (الإيمان) و (الحسد) لا يجتمعان لأنّهما نقيضان ، فالمؤمن يتمنّى الخير للناس والحسود يريد زواله عنهم ، ولذا جاء في الحديث : «الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» . فأن تكون مؤمناً يعني أن تحب للناس ما يحبّه الله لهم .
3 ـ كظم الغيظ ، وعدم الانجـرار مع الانفعال بالموقف الاستفزازي ، وعدم التعامل بالمثل مع القدرة عليه ، ليس ضعفاً ولا انهزاماً ، بل يرمز إلى قوة الإرادة والتحكّم بالانفعالات الغريزية ، ودليل على قوة ورصانة الشخصية ، و وسيلة من وسائل الارتفاع والتسامي على موقف الانسياق أو تلبية نداء الانفعالات الحادّة .

 4 ـ الحوار العقلاني يعني تجنّب استخدام لغة العنف واللجوء إلى القوّة طالما أنّ القضية ليست قوة في مواجهة قوة أخرى ، وإنّما هي نقاش بالعقل والحكمة الحسنة وصولاً إلى الحقيقة ، فالعنف في مثل هذه الحالات هو منطق الضعفاء الانهزاميين الذين لا يريدون الاقتناع رغم أنّ الحجّة واضحة ، كمنطق (قابيل) .
5 ـ موقفنا منهما هو الانحياز إلى (هابيل) لأنّنا نؤمن ببراءته ، وسلامة نيّته ، ونبل موقفه ، وابتعاده عن إثارة غضب الله في قتل النفس المحترمة التي لا يجوز قتلها إلاّ بالحقّ .
ونعتبر موقف (قابيل) موقف كلّ الطغاة الذين لا يفهمون سوى منطق القوة والعنف والقتل والتصفية ، وهو منطق مرفوض لأنّه يعبّر عن حالة حيوانية افتراسية ، ليس لها استعداد للتفاهم والحوار .

 

تطبيقات القصة العملية :

 إنّ حالات الصراع بين (الخير والشرّ) .. بين صاحب النعمة والمحروم منها ، بين الشبان والفتيات كثيرة ، ومن ذلك :
قد ينتقم تلميذ من تلميذ آخر لأنّه متفوّق في فصله ، و يحظى بتقدير واعتزاز معلّميه به ، والحال أن لا داعي للانتقام وترتيب الأثر ، فهذا الطالب المتفوق قد بذل جهده ، ولو بذل الطالب المنتقم ، جهده وجدّ لحصل على نتيجة مقاربة أو مماثلة أو أكبر منها .
وقد ينقم شاب من شاب آخر لأنّه حصل على فتاة طيبة من أسرة كريمة ، وقد وافق أبواها على تزويجها منه ، وكانا قد سبقا أن رفضا طلب يد الشاب الآخر لحسابات وقناعات خاصّة بهما وبابنتهما ، وهنا يحاول الشاب المرفوض أن ينفّس عن صدّه بالانتقام من الشاب المقبول من تلك الأسرة .
ولو لرأى أنّ الشاب المقبول لا ذنب له في الأمر ، فهو قد أتى البيتَ من بابه و لأنّهم رأوا فيه المواصفات التي يطلبونها لزوج ابنتهم ، ولم يروها في الآخر ، لكنّه الحسد أو الحقد الأعمى الذي لا يدع صاحبه يرى بعيني عقله بل بعيني غريزته الهائجة ، وذاته التي يشعر أنّها انتُقصت .
 وقد تنقم فتاة من فتاة أخرى ، وربّما كانت صديقتها أو قريبتها أو زميلتها ، لنفس السبب في المثال الأسبق ، خاصة إذا تقدّم شاب لخطبة الأولى ثمّ عدل عنها إلى الثانية ، وهي لا علم لها بالحادثة السابقة على خطبته لها ، فتتجنّى الأولى على الثانية في تشويه صورتها في نظر الخاطب بشكل أو بآخر ، وما ذاك إلاّ لأنّها ترى في الفتاة الأخرى غريمتها ومنافستها ، و أنّها سرقته منها ، وبدلاً من أن تحاسب الخاطب تعاقب الخطيبة البريئة ، كما عاقب (قابيل) (هابيل) وهو بريء .
فهذه الحالات أو التطبيقات (القابيلية) تصدر من نفوس أعماها الحسد ، وسدّ الحقد منافذ تفكيرها فلا ترى إلاّ ظلمة الانتقام .
 ولا بدّ أن نطرح على أنفسنا السؤال التالي :
ـ لو كنتُ أحدهما ، فمن سأكون : قابيل أم هابيل ؟

أو أيّ الموقفين يمكن أن أتخذ ، موقف العنف أم موقف الحوار ؟

 وبذلك يمكن أن تختبر شخصيتك فيما إذا كنت تحبّ أهل الخير أو أهل الشرّ .

 

 

النموذج الثاني

 الطاعة والعصيان (إسماعيل (عليه السلام) وكنعان)
 نموذجان قرآنيان متقابلان يقفان على طرفي نقيض وهما :

 (إسماعيل) (عليه السلام) ابن النبيّ إبراهيم (عليه السلام) و (كنعان) ابن النبيّ نوح (عليه السلام) .

المشهد الأوّل : دعوة للهلاك

نرى إبراهيم (عليه السلام) وقد أراد تنفيذ الرؤيا التي رآها في منامه وهو يذبح ابنه ، ورؤيا الأنبياء (عليهم السلام) وحي ، إبراهيم (عليه السلام) : (قال يا بُنيّ إنِّي أرى في المنام أنِّي أذبحك فانظر ماذا ترى ) إسماعيل (عليه السلام) : (قال يا أبت افعل ما تُؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين )

المشهد الثاني : دعوة للنجاة

وفي المقابل  نرى فيه نوحاً (عليه السلام) وقد اكتسح الطوفان الأرض يدعو ابنه إلى الركوب في السفينة حتى لا يتعرّض إلى الغرق والهلاك ، فيأبى الابن ويرفض متذرعاً بأنّه قادر على الحصول على النجاة بالصعود إلى قمّة الجبل :
ـ نوح (عليه السلام) : (ونادى نوحٌ ابنه وكان في معزل يا بُنيّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) .
ـ كنعان : (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) .
ـ نوح (عليه السلام) : (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ مَنْ رحم ).
 (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) .

 

مقارنة بين المشهدين :

1 ـ في المشهد الأوّل دعوة من الأب إلى ابنه الحبيب لعملية ذبح ، امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى . وفي المشهد الثاني ، دعوة من الأب إلى ابنه إلى النجاة والحياة.

2 ـ في المشهد الأوّل استجابة فورية ـ من الابن المطيع ـ بلا تردّد لتنفيذ إرادة الله . وفي المشهد الثاني عزوف وإعراض  وكلام جاف من قِبل الابن الضالّ

3 ـ في المشهد الأوّل انقلاب في الموقف حيث ينجو (إسماعيل) الممتثل لطاعة الله سبحانه وتعالى ، بأن يفتديه أبوه بكبش بناء على طلب الله عزّ وجلّ . وفي المشهد الثاني انقلاب في الموقف أيضاً حيث يموت (كنعان) العاصي العاق الذي تصوّر أنّ الجبل سيكفل له السلامة من الغرق ، رغم تحذيرات الأب أنّ النجاة في (السفينة) لكنّه أصرّ على موقفه المعاند .

 

دروس القصتين :

 1 ـ إسماعيل (عليه السلام) (غلام حليم) وكان أبوه قد طلب من الله أن يرزقه الولد الصالح (ربّ هب لي من الصالحين ) فكان ابناً صالحاً ومطيعاً لله وبارّاً بأبيه ، فإسماعيل نموذج إيجابي للابن البارّ المطيع .
أمّا (كنعان) فقد عبّر عنه القرآن بأنّه (عملٌ غير صالح) وذلك حينما استوضح نوح (عليه السلام) من ربّه عن سبب هلاك ابنه باعتباره من أهله

، فجاءه النداء : (إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غيرُ صالح ) لأ نّه عاص متكبّر مغرور وعاق لوالده ، ولذا فنحن أمام نموذجين للأبناء : صالح يمثله إسماعيل (عليه السلام) وغير صالح يمثله (كنعان) ، ومعيار الصلاح وعدمه هو (الطاعة لله) و (برّ الوالدين) .
2 ـ الطاعة في المشهد الأوّل طاعة لله تبارك وتعالى ، وإعانة للأب على هذه الطاعة ، وهي من أجمل وأعظم صور الطاعة ، كما أنّها إطاعة للنبي المأمور من قِبل الله ، والمعصية في المشهد الثاني معصية لله و للرسول ، فنوح لم يكن أباً لكنعان فقط ، وإنّما رسوله ونبيّهُ ، علاوة على أنّه عقوق للأب الحاني .

 3 ـ نتيجة الطاعة في المشهد الأوّل (النجاة) و (النجاح) ، ونتيجة المعصية في المشهد الثاني (الهلاك) و (الخيبة) .
4 ـ أبناء المؤمنين الصالحين يجدر بهم أن يكونوا مؤمنين صالحين أيضاً لا بالتبعية والإلحاق ، وإنّما لأنّهم ينشأون في وسط أسرة صالحة مباركة ، فيكونوا مثلهم أو أكثر في إيمانهم ونُبل أخلاقهم وصلاح أعمالهم ، كان ذلك أدعى إلى اعتبار الأسرة مثلاً يقتدى .
أمّا أبناء المؤمنين الذين ينحرفون عن خط الصلاح ، فهم يسيئون مرّتين ، مرّةً إلى أنفسهم باختيارهم الطريق الأعوج المنحرف ، ومرّة إلى آبائهم ، فمن عادة الناس أن يقرنوا بين الأبناء وآبائهم

 

التطبيقات العملية للقصتين :

الأب الذي يدعو ابنه إلى المساهمة معه في مشروع خيريّ ، ، فيبذل من ماله وجهده لذلك ، يقدّم صورة مصغّرة لطاعة إسماعيل لأبيه ، والشاب الذي تقتضيه دواعي الجهاد في سبيل الله أن يستمع إلى دعوة أبيه للتضحية من أجل كرامة أمته ، هو كإسماعيل في استجابته للذبح .
والفتاة التي تدعوها أمّها إلى التزام الستر الشرعي والعفاف ، فإنّها إنّما تستجيب لنداء ربّها من خلال دعوة أمّها بالانضباط بالضوابط الإيمانية والأخلاقية ، وهي كإسماعيل في استجابته .
أمّا الفتاة المتهتكة التي تسلك طرق الخلاعة والميوعة والغنج تدعوها أمّها إلى عدم الخوض مع الخائضات في إثارة الفتن بين الشبان ، ثمّ لا تستجيب لندائها فإنّها كابن نوح  (فكان من المغرقين) .
والشاب الذي يدعوه أبوه للصلاة فلا يصلّي ، وإلى الصيام فيتهرّب منه ،  فيسخر من أبيه لأنّه دعاه إلى إصلاح عيوبه واجتناب المعاصي والمنكرات ، هو أيضاً مثلُ (كنعان) السادر في غيّه ، قد لا يغرقه موج الطوفان لكنّه سيغرق حتماً في لجج الذنوب والعصيان ، وتيار الظلم والانحراف فيكون من المغرقين .

 

النموذج الثالث : المجون والعفّة

(زليخا) و (بنتا شعيب)

المشهد الأوّل : (زليخا) الدعوة إلى الفحش : قصة إمرأة متزوجة وفي قصرها يعيش فتى ربّته منذ أن اشتراه زوجها وراح يزداد مع الأيام حُسناً وبهاءً وخلقاً كريماً (ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين ) وهذه الصفات الرائعة تغري النساء ،  فتبادر (زليخا) إلى دعوة (يوسف) (عليه السلام)الشاب الجميل النبيل إلى ممارسة الفحشاء والمنكر (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيتَ لك ) . فتغلق الأبواب ، وتغري وترغَب بنفسها مع أنّها متزوجة وفي عهدة رجل .
ويفرّ (يوسف) من شباك المعصية المنصوبة له ، فتلحقه وتشقّ قميصه من الخلف لتجرّه و تعيده ثانية ، لكنّه لجأ إلى الله فأنقذه منها .
وبعد أن يُسْدَل الستار عند هذه اللقطة ، يُزاح مجدداً عن لقطة مشبوبة أخرى لا تقلّ عهراً وفجورا ، فالنساء اللواتي كنّ يترددن على امرأة العزيز من جيرانها وصويحباتها واللاّئي أنحين عليها باللاّئمة لفعلتها مع (يوسف) دُعين من قبلها ليرينه عن كثب ، فما كان منهنّ حين سقط نظرهنّ عليه إلاّ أن قطّعن أصابعهنّ وهنّ لا يشعرن من شدّة سكرة الانجذاب إلى جماله الخلاّب (فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ وقلن حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملكٌ كريم ) ورحن يراودنه عن نفسه فآثر السجن على دعوتهنّ إلى اجتراح المنكر واقتراف السيِّئات .

المشهد الثاني : (بنتا شعيب) عفّة واستحياء :

الستارةُ هنا تُزاح عن مشهد هادئ لا تفور فيه الغرائز ولا تغلي العواطف ولا تشبّ الشهوات شبوب النار في الهشيم . وإنّما هي أجواء النقاء والصفاء الروحاني ، واللقاء المهذب الذي يتبادل فيه الطرفان آيات الاحترام والتهذيب ، ويراعيان قيم العفّة والإحتشام .
هنا نلاحظ موسى (عليه السلام) وهو الفتى القويّ في بلدة (مدين) وقد رأى فتاتين ترعيان الأغنام وتقفان بانتظار أن يأتي الدور لتسقيا غنمهما ، وقد رأى أنّهما تتحاشيان مزاحمة الرجال والاحتكاك بهم ، وتنتظران انصرافهم حتى يخلو لهما البئر . (ولمّا وردَ ماء مدينَ وجدَ عليهِ أمّة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال : ما خطبكما ؟ قالتا : لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظلِّ ) .
 موسى (عليه السلام) يبادر إلى السؤال لأنّه رجل غيور و من مسؤوليته أن يقدم خدماته لفتيات عفيفات ، و سؤاله لا يخرج عن حدود الأدب ، وجواب الفتاتين لم يخرج أيضاً عن تلك الحدود، بل ينمّ عن خلق عفيف ، وبعد أن يقوم موسى (عليه السلام) بالسقي لهما تنتهي علاقته بهما عند هذا الحدّ فلا يستغرق معهما في أحاديث جانبية (فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظلِّ ) أي أنّه تفادى استغلال خدمته لهما لمزيد من الانفتاح عليهما ، كما أ نّهما غادرتا مكان السقي كما جاءتاه بكامل حيائهما

 

مقارنة بين المشهدين :

بين مشهد (زليخا) الداعر الذي يتحرّك في أجواء غريزية ساخنة ، ومشهد (بنتي شعيب) الطاهر الذي يدور في فضاء إيماني هادئ ورزين ، يمكن تثبيت نقاط المقارنة التالية :

 1 ـ (زليخا) هي التي تحرّشت بيوسف (عليه السلام) ودعته إلى إطلاق نيران الشهوة ، أي أنّها المحرضة على الإغواء وفعل الزنا . بينما لم تطلب (بنتا شعيب) من موسى (عليه السلام) أن يسقي لهما ، وكما قلنا فالبعض من الشبان قد يستغل وينتهز مثل هذه الفرصة لأغراض أخرى . ومبادرة موسى (عليه السلام) أتت من منطلق إنساني بحت ، كما لو أنّك تجد فتاة محتشمة بين مجموعة من الرجال تقف في انتظار شراء شيء ما ، وتقديراً منك لحراجة موقفها كونها الوحيدة بين الشبان والرجال ، تتبرّع أو تتطوّع لخدمتها بنفسك حتى لا تتعرض إلى السوء والأذى .
إنّ حركة الفتاة باتجاه الشاب أو مبادرتها ، هي التي تفتح الأبواب ، وقد يبادر الشاب إلى التحرّش بها أو محاولة التغزّل بها أو استدراجها ، لكنّها بمقدورها أن تغلق الباب بوجهه باعراضها عنه وعدم تجاوبها معه ، وقد ثبت أنّ الفتاة الملتزمة بسترها وعفافها أقل عرضة لمثل هذه الأمور ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد طلب منها الستر وأن لا تظهر زينتها وأن لا ترقِّق صوتها وأن لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى ، فلأنّ تلك تشكل عوامل إغراء وإغواء ، فإذا امتنعت عن ذلك ، والشاب من جهته مطالَب بغضّ البصر ، نكون قد صنّا العفاف من الطرفين .
2 ـ المشهد الأوّل يتحرّك في أجواء الخلوة المغلقة المنعزلة عن أعين الرقباء ، الأمر الذي يؤجّح الغريزة أكثر ويُطمع الذي في قلبه مرض ، ولولا أن يوسف (عليه السلام) كان يرى أنّ الله رقيب عليه ، لصبا إليهنّ
أمّا المشهد الثاني فيتحرك في الهواء الطلق وبمرأى من الناس ومسمع ، فليس فيه رائحةُ ريبة أو دواعي فتنة ، وإنّما هو يجري ضمن المتعارف عليه من الأحايث الطبيعية في التعامل ، وهذا هو السبب في تحذير الحديث الشريف من الخلوة بين الجنسين خشية أن يكون الشيطان حاضراً .
3 ـ الحوار في المشهد الأوّل صريح ومكشوف وفاضح ، مما يعبّر عن سقوط رداء الحياء تماماً، وذلك من خلال مفردات (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) أي طلبت منه ممارسة الفحشاء علناً (وقالت هيتَ لك ) أي أنّها متأهبة لذلك .
أمّا الحوار في المشهد الثاني فلا يتعدى حدود الحوار المؤدب المهذّب كما لو كان بين شخصين من جنس واحد ، فالسؤال (من موسى) عفيف ، والجواب من (بنتي شعيب) عفيف ، وليس في الحوار زيادات تخرجه عن نطاق العفّة والحياء ، حتى أنّنا نرى ذلك في المشهد اللاّحق : (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) وكلمة (تمشي على استحياء) تدلّل على أنّ الكلفة لم تُرفع بين الفتاة وبين موسى (عليه السلام) فما زالت محفوظة مصونة ، والحوار كما كان عفيفاً في البداية بقي عفيفاً حتى النهاية ، فهي لم تلمّح ولم تصرّح برغبتها فيه ، وإنّما نقلت له رسالة مختصرة تفيد أنّ أباها طلبه ليكافئه على فعله .
وحتى حينما أعربت عن الرغبة ، فإنّها تحدّثت بكامل الأدب الأنثوي المغلّف بالحياء الذي لا يتطرق إليه السوء : (قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إنّ خير من استأجرتَ القويّ الأمين ) فهي لم تتحدّث عن وسامته وعذوبة كلامه ورقّة إبتسامته ، وإنّما تحدّثت عن (قوّته) و (أمانته) كشرطين أساسين في الرجل المطلوب للزواج اسلامياً ، وكلمة (الأمين) تحمل تعبيراً واضحاً عن عفاف موسى (عليه السلام)واحتشامه واحترامه لمقامه ومقام الفتاة الأجنبية عنه .

تطبيقات عملية :

في واقعنا المعاصر هناك مَنْ يَشبهن (زليخا) في انفلاتهنّ الأخلاقي وتمزّق رداء الحياء لديهنّ ، وهناك مَنْ يشبهن (بنتي شعيب) في سترهنّ وعفافهنّ وأدبهنّ . فالتي تعيش في أجواء الاختلاط الحميم سواء في المدارس أو المجالس ، فإنّ ذلك سيوجد أرضية خصبة لنمو أو التهاب الشهوة بينها وبين الشبان الذين تجالسهم وتسامرهم وتلاعبهم خاصة إذا كانت ترتدي من الثياب أفضحها ، وتضع من الزينة ما يرغّبُ فيها ، هي أقرب إلى شخصية (زليخا) .
والتي تخرج متبرّجة كاشفةً عن ذراعيها وساقيها وصدرها وشعرها ، وما يغطي جسدها يصفه في ضيقه وانحساره ، حتى وإن لم تقل بلسان مقالها للشبان اقتربوا منِّي ، أو تحرّشوا بي ، أو هلمّوا انظروا إلى محاسني ومفاتني ، فإنّها تقول ذلك بلسان الحال ، فهي لم تخرج بهذا الشكل الفاضح إلاّ لتوقع الشبان في الفتنة ولتقول لهم ما قالت (زليخا) لـ (يوسف) (هيتَ لك ) وهي إمّا أن تكون مستعدة لممارسة الفحشاء والمنكر ، أو تتسلّى وهي ترى نظرات الشبّان تتطلع إليها ، ورغباتهم المكبوتة تتصاعد كلمات ماجنة على الألسن يرمونها بها .

وتلك التي تلقي بابتساماتها الموحية وغمزاتها المغرية وحركاتها المثيرة ، ولا تحادث زميلها الشاب إلاّ برخيم صوتها ، هي داعية إلى الفحشاء وإن لم تصرّح بها ، ومثيرة للفتنة حتى وإن لم تفصح عن مراميها ، وقد تدفع الشبان إلى ممارسة المنكرات لإطفاء حريق الشهوة الذي خلّفته وراءها .. إنّها أخت (زليخا) وإن لم تمارس فعل الفحشاء بطريقة عملية .
والذين يُبيحون للمعلمين الخصوصيين من الرجال أن يدرّسوا بناتهم خلف أبواب مغلقة ، ويترددوا يومياً لساعة أو ساعتين ، يفسحون المجال لما هو ممنوع أن يتنفّس ، وقد أحدثت مثل هذه اللقاءات الثنائية المنعزلة نتائج مؤسفة .
كما أنّ تردد أصدقاء الأسرة من الشبان والرجال ، أو إرسال العامل الذي يشتغل لدى والد الفتاة إلى بيته ليجلب له شيئاً من هناك ، كلّ ذلك يساعد على فتح أبواب تلك البيوت على المحرّمات التي قد يستعصي غلقها لاحقاً .
وفي قبال هذه الصور المؤسفة لا تعدم أن تجد أمثلة وصوراً حيّة لأخوات أو مثيلات (بنتي شعيب) في المجتمع . فالتي ترفض اللقاء بالغرباء والأجانب والمحارم في الخلوات ، والتي لا تلتقي شاباً أو رجلاً إلاّ بحضور أبيها أو أمّها أو أخيها ، تراعي الستر وتصون العفاف ، وتحولُ دون تلاعب الشيطان بها أو بالزائر الذي قد تحدّثه نفسه بالسوء .
والتي ترفض الاختلاء بزميلها في غرفة الدرس ، أو زاوية من حديقة الجامعة ، أو بعيداً عن الأعين ، إنّما تحتاط لعفّتها ولعفّة الشاب أيضاً .
والتي إذا تحدّثت مع الجنس الآخر لا تتحدّث بنعومة وميوعة ودلع وغنج ، وإنّما بلغة ملؤها التهذيب والاحترام ، والاقتصار على مقدار الحاجة والضرورة سواء في الهاتف أو في اللقاء المباشر ، هي كابنة شعيب تتعامل باستحياء . والتي لا تسمح لخطيبها الذي لم يعقد عليها بعد أن يقربها أو يلمسها ، حتى وإن أراد ذلك بذريعة اختبارها ، فهي لم تصبح زوجته بعد ، أمّا إذا جرى العقد الشرعيّ الصحيح بينهما فلا إشكال ، هذه أيضاً كبنت شعيب التي أثنى الله على موقفها مع موسى (عليه السلام) فلقد تعاملت معه على استحياء حتى أصبحت زوجة له .

 


النموذج الرابع

إعتزال الانحراف والانخراط فيه
 (فتية الكهف وثمود)

 

 المشهد الأوّل :

 

(ثمود) هم قوم النبي صالح (عليه السلام) أمرهم الله أن يتركوا الناقة تشرب الماء يوماً ويشربوا هم يوماً آخر ، لكنهم عصوه فعقروها ، و ذبحوها ظلماً وعدواناً ، (قال هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) .

المشهد الثاني :

في مكان ما ، كان هناك حاكم وشعبه يعبدون الأوثان ، وكان الحاكم يجبر الناس على عبادة تلك الأوثان ، غير أن ثلّة من الفتية المؤمنين رفضوا ذلك ، ولأنّ الحاكم جائر ويبطش بمن لا يطيعه ، طلبوا من الله أن يوفر لهم مكاناً يعتزلون فيه من أجل أن يبحثوا هناك عن مخرج للمأزق الذي هم فيه ، فأرشدهم إلى الكهف ، لكن إرادة الله اقتضت أن يناموا هناك نومة استثنائية طويلة إلى أن تغيّر النظام وجاء حاكم ونظام آخر .
 (نحن نقصُّ عليك نبأهم بالحقّ إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدىً * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السّموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً )

المقارنة بين المشهدين :

 1 ـ في المشهد الأوّل قائد صالح ومؤمن ونبيّ لا يأمر قومه إلاّ بما أمره الله به ، وبالتالي فهو لا يريد لهم إلاّ الخير والصلاح . وفي المشهد الثاني حاكم ظالم متجبّر يأمر قومه بالكفر والضلال والشرك وعبادة الأصنام.

2 ـ في المشهد الأوّل أمّة من الناس تعصي أمر نبيّها وهو أمر الله ، وفي المشهد الثاني أمّة من الناس تطيع حاكمها المشرك رغم أنّ فيه معصية كبرى لله .
3 ـ في المشهد الأوّل يتجاوب الناس لعقر الناقة بين مَنْ أعدّ العدّة وبين مَنْ نفّذ وبين مَنْ رأى المنكر وسكت ، فعمّهم الله بالعذاب . وفي المشهد الثاني لم يشكّل الجو العام الضاغط مبرراً لطائفة من الشبان المؤمنين أن ينخرطوا في الجماعة المشركة ، فكتب الله لهم النجاة من القوم الظالمين .
4 ـ لقد وصف الله الجماعة المنحرفة من قوم صالح (ثمود) بقوله : (وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى ) ، ووصف الثلة المؤمنة (أهل الكهف) بقوله : (إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى ) . والفارق واضح : هناك إيثار (العمى) على (الهدى) وهنا (إيمان) وزيادة في (الهدى) .
5 ـ الناس ـ في المشهد الثاني ـ أطاعوا الحاكم المشرك الظالم ورضوا بعمله في سكوتهم عليه واستجابتهم لعبادة الأصنام ، إلاّ (أهل الكهف) من الفتية الذين وحّدوا الله  ورفضوا عبادة غيره ، أي أ نّهم لم يستسلموا للتيار بل سبحوا ضدّه ، وأمّا الناس في المشهد الأوّل فبالعكس فقد انساقوا جميعاً مع التيار فحتى الذي لم يشترك في عقر الناقة ، ساهم برضاه مما جعل تبعة هذا العمل المنكر مشتركة ، ففي الحديث : «إنّما يجمع الناس الرضا والسخط ، وإنّما عقر ناقة ثمود رجلٌ واحد فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا» . وفي الحديث أيضاً : «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به وإثم الرضا عنه» .
و نلخّص الفوارق في :
ـ هناك (في قصة ثمود) التحام بالجماعة التي تمارس المنكر .
وهنا (في قصة أصحاب الكهف) انفصام وانفصال عن مجتمع المنكر .
ـ هناك عقلٌ جمعي يتحكّم بالإرادات فيشلّها فتتحرك من دون وعي أو مناقشة للقرارات المصيرية الخطيرة ، وهنا عقل منفتح وارادة مستقلة تأبى أن تكون كأفراد في قطيع .
ـ هناك كفر وضلال يتحرك بمنطق العنف والتصفية والمناصرة على الظلم ، وهنا إيمان عميق يدعو إلى التعقّل ونبذ عبادة غير الله الواحد الأحد.

 

التطبيقات العملية :

للنموذج الأوّل (ثمود) هم (الإمّعيون) أو (الخائضون مع الخائضين) المنخرطون مع الجوقة .. الناعقون مع كلّ ناعق ، أو الأكثرية الصامتة ، أو سمّهم ما شئت .
فأنت قد تلتقي بشبان وفتيات يفتقدون السيادة والاستقلال تماماً ، وإذا سألتهم : لِمَ تفعلون ذلك فتهدرون كراماتكم وتهمّشون شخصياتكم ؟

 قالوا : نحن جزء من الجماعة ولا نريد أن نشذّ عنها ، بقطع النظر عن أن فعل جماعتهم صحيح أو خطأ ، حق أو باطل ، معروف أو منكر ، وهذا هو التعصب المقيت الكثير الشبه بقوم ثمود الذين يتضامنون في ارتكاب المنكرات .
 للنموذج الثاني ما تراه من إيمان ووعي الشبان والفتيات الذين لا يجرفهم التيار مهما كان عنيفاً ، فلقد اختطوا طريقهم وعرفوا ما هو الخطأ وما هو الصواب ، فحتى لو كان المجتمع متفسخاً ظالماً فاسداً فإنّهم لا يجدون ذلك مبرراً في الانحلال والاستغلال والظلم والفساد ، وهؤلاء كأعمدة النور في الشوارع المظلمة ، لولاهم ، ولولا جهادهم وصبرهم ، ولولا وعيهم وإيمانهم ، لولا صرخاتهم من أجل الحق ، وتصرفاتهم الدالة على الاستقامة ، لكنّا نتخبّط في الظلام .
وقد يخطئ مَنْ يقول ما قيمتي ؟ ما أثري ؟ ما أنا إلاّ بصيص نور في محيط مظلم ، وينسى أن بصيصاً هنا وبصيصاً هناك يمكن أن يحدثا ثقوباً في جدار الظلام ، وأن ظلام العالم كلّه لا يستطيع أن يطفئ نور شمعة واحدة .
بقي أن نقول إن (فتية الكهف) لم يعتزلوا الواقع هروباً من المسؤولية ، وإنّما بحثا عن حلّ أو مخرج للتعامل مع الواقع المشرك الذي أراد لهم أن يكونوا لبنة في بنائه ، وأرادوا أن يبنوا بنيانهم الذي يقوم على توحيد الله وطاعته.

النموذج الخامس : قيمة المال وقيمة الإيمان

(صاحب الجنّتين والمُعدَم)

 
 نلتقي بالنموذجين في مشهد حواريّ واحد .
فهناك الثريّ المترف صاحب المال والأراضي الزراعية الشاسعة والأولاد والجاه والأبّهة . وهناك الفقير المعدم الذي لا يمتلك من ذلك شيئاً ، لكنّه يملك ما هو أثمن وأغنى وأدوم ، وهو إيمانه بالله وفضله وعظمته .
يقول تعالى في تصوير الشخصيتين : (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنّتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً * كلتا الجنّتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجّرنا خلالهما نهراً * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً * ودخل جنّته وهو ظالم لنفسه قال ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً * وما أظنُّ الساعة قائمة ولئن رُددت إلى ربِّي لأجدنّ خيراً منها منقلباً * قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلاً * لكنّا هو الله ربِّي ولا أشرك بربِّي أحداً * ولولا إذ دخلت جنّتك قلت ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله إن ترن أنا أقلّ منك مالاً وولداً * فعسى ربِّي أن يؤتين خيراً من جنّتك ويرسل عليها حسباناً من السّماء فتصبح صعيداً زلقاً )

التطبيقات العملية :

إنّ لصاحب الجنّتين في الحياة أشباهاً ونظائر :

-        فقد تلتقي بأناس أثرياء يخلدون إلى ثرواتهم ويركنون إليها كمن يستند إلى ركن وثيق . فلا يعرفون فضل الله عليهم ولا يذكرونه ولا يشكرونه وكأنّ ما لديهم من صنع أيديهم وقولهم كـ (قارون) صاحب الثراء الفاحش (إنّما أُوتيته على علم عندي ).
-
وقد تلتقي بأثرياء في أرصدتهم وعقاراتهم وممتلكاتهم ولكنّهم فقراء في نفوسهم ، بخلاء في عطائهم ، ضعفاء في إيمانهم وإلتزامهم ، وهم يتصورون أنّهم في بروج مشيّدة لا يدركهم الموت .
- وتلتقي بفئة ثالثة تنظر إلى مَنْ هو أدنى مستوى منها نظرة ازدراء واستصغار حتى ولو كان أكبر منهم في مقامه الإيماني والعمليّ والجهاديّ والعلميّ ، لأنّهم يعتبرون ما يملكونه أعظم من الإيمان والعلم والعمل والجهاد .
وفي مقابل هذه النماذج الحياتية ، ترى :
أناساً فقراء لا يملكون من طعام الدنيا شيئاً لكنهم أغنياء من التعفّف ، وكلّهم ثقة وأمل وإيمان أن عطاء الدنيا ـ مهما كان كبيراً ـ فهو لا يساوي شيئاً في موازاة عطاء الآخرة ، فللآخرة يعملون ، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا  .

و ينبغي أن لا يتبادر إلى الذهن أنّ المؤمن لأنّه فقير فهو يقول ذلك ، فهو حتى لو امتلك الثروات فإنّه يبقى يقدّر قيمة الإيمان ويعتبره أنفس من كل ثروة ، لأ نّه يفكّر بما هو باق لا بما هو نافد وزائل .
وهاتان الصورتان :

(صورة الثري صاحب الجنّتين) و (صورة المؤمن الفقير المعدم) لهما انعكاسات في التعامل الاجتماعي ، فبعض الناس يحترمون صاحب الثروة ويقدّرونه أكثر من تقديرهم للمؤمن العامل ، فتراهم يفسحون له في مجالسهم ، ويقومون له اكباراً واجلالاً وإذا خطب ابنة أحدهم هرعوا لتزويجها من ابنه ، وإذا طلب منهم خدمة تهافتوا أو سارعوا لقضائها ، ولا يفعلون ذلك مع المؤمنين المعدمين إلاّ نادراً ، الأمر الذي يعني أنّ النموذجين المذكورين في الآيات الكريمة ما زالا يعيشان في مجتمعاتنا ، وإنّ صورة صاحب الجنّتين هي التي تخطف الأبصار رغم أنّ المال لا يشكّل قيمة داخلية تعبّر عن إنسانية الانسان وعلمه وخلقه وسجاياه.

 

 

 

النموذج السادس: الخائنات والمؤمنات

(زوجتا نوح ولوط وشخصيتا آسية ومريم)

 

العينة الأُولى :

 اثنتان من زوجات الأنبياء (عليهم السلام) وهما : زوجة نوح وزوجة لوط ، فرغم أنّهما كانتا في كنف زوجين نبيّين ، لكنهما آثرتا الانسياق مع تيار المجتمع الفاسد المنحرف الذي يقف في الجهة المضادّة لدعوة زوجيهما المؤمنين الصالحين .
إمرأتان عدوتان لزوجيهما تعيشان في بيوتهما وتناصران أعداءهما عليهما ، فأيّ موقف خيانيّ أشدّ وطأ من أن تقف شريكة الحياة في صف الأعداء لمحاربة زوجها ونبيها ومؤتمنها على بيته وعرضه وأولاده ، فعدوّ الداخل أشدّ خطورة من عدوّ الخارج ، ولذا اعتبر ظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضة .
يقول تعالى : (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين ) .


العينة الثانية :

امرأتان صالحتان ، إحداهما زوجة لطاغية مجرم مستكبر يذبّح الأبناء ويستحيي النساء ، إنّها (آسية بنت مزاحم) المرأة المؤمنة الفاضلة العاقلة التي اعتبرها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة من أربع نساءهنّ أكمل نساء الدنيا ، ورغم أنّها كانت تعيش في بحبوحة النعيم ، لكنّها لم تستسلم لنعيم القصر الفرعوني ، وآثرت جنّة الله وقربه (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنّة ونجِّني من فرعون وعمله ونجِّني من القوم الظالمين ).
وأمّا المرأة الثانية فهي (مريم بنت عمران) المرأة العفيفة الشريفة التي كانت سيرتها الصالحة في قومها أنقى من الماء الزلال حتى أنّهم كانوا يضربون المثل بعفّتها وتبتّلها وعبادتها وسيرتها الحسنة العطرة ، فكانت المثل الأعلى لنساء جيلها وللنساء على امتداد الأجيال ، فهي لم تلوّث سمعتها بوحل السوء والفحشاء (أحصنت فرجها) وبقيت تعيش الطهر والعفّة التي يحبّها الله للفتيات وللشبّان على السواء .

 

 

 

مقارنة بين العينتين :

 1 ـ العينة الأولى (امرأة نوح وامرأة لوط) لم تنتفعا من الغنيمة الكبرى التي كانت تتحرك في بيوتهما ، فرغم أن زوجة النبيّ يفترض أن تكون داخل مدرسة الأخلاق والالتزام والتقوى والصلاح ، وتمثل القدوة لنساء جيلها ، إلاّ أنّهما كانتا على العكس تماماً ، فهما كذاك العطشان القريب من النهر ولا يريد الإرتواء منه وإنّما يفضّل أن يشرب من المستنقع !
أمّا العينة الثانية (آسية ومريم) فهما ورغم الإمكانية الدنيوية للحصول على المتع والملذّات والمباهج والمسرّات ، لكنهما آثرتا الحصول على ما هو أكبر وأبهج وأدوم وهو نعيم الآخرة والفوز برضوان الله وهو أعظم النعيم .
2 ـ العينة الأولى جاهلة متعنّتة لا تعرف الطريق الصحيح ولا قيمة الإيمان والصلاح والأمانة ، ولذا راحتا تحاربان ذلك كلّه استجابة لجهل مستحكم وتيار جارف ، فكانتا كمعصوب العينين لا تريان سوى ظلمة تمرّدهما وعنادهما وعصيانهما .
أمّا العينة الثانية ، فهي عينة عالمة وعاقلة وعارفة تماماً ماذا تريد ؟
وماذا يُراد منها ؟ حتى ولو كان المجتمع كلّه فاسقاً منحرفاً ظالماً عاصياً ، فهما تدركان أنّ المسؤولية أمام الله مسؤولية فردية (وقفوهم إنّهم مسؤولون ) .
3 ـ العينة الأولى عينة الخائنات اللواتي لا يحفظن للزوجية الصالحة حقوقها ، ولا يؤدين الأمانة إلى أصحابها ، فبدلاً من أن يكن عوناً وعضداً لأزواجهنّ الصالحين كنّ عوناً عليهم ، مما أفسد حياتهنّ وحياة أبنائهنّ . وقد مرّ بنا كيف أن ابن نوح (كنعان) قد ساير مجتمعه الفاسد الضال نتيجة ضلال أمّه وفسادها فكانا من المغرقين أمّا العينة الثانية ، فهي عينة الأمينات على رسالتهنّ وإيمانهنّ وإخلاصهنّ لله ، والصدق في التعامل معه ، والأمينات على العفّة والطاعة ، وتفضيل ما عند الله على ما عند سواه.

 

تطبيقات عملية :

 البيئة ليست كلّ شيء في التربية ، فهناك عوامل أخرى تؤثر على سيرة وسلوك وموقف الانسان ، فلا يكفي العيش في بيت ليتحول سكّان ذلك البيت إلى أنبياء أو صلحاء ، فالتنشئة الأولى والمحيط الاجتماعي الضاغط باتجاه الانحراف قد تجعل الانسان يميل إلى الكفر ويصارع الإيمان .
فعلى صعيد الواقع الذي نحياه ، نرى أنّ بعض أبناء وزوجات المؤمنين الصالحين يقفون في صف أعدائهم ، حتى إنّهم يتجسسون عليهم لصالح أنظمة الجور وربّما كانوا السبب في قتلهم على أيدي الطغاة ، وهي خيانة عظمى تشبه خيانة امرأة لوط وامرأة نوح لزوجيهما .
وعلى العكس من ذلك ، فإنّ القرب من أعداء الله والعصاة والطغاة لا يمثل سبباً لمجاراتهم والإقتداء بهم والعمل وفق ما يخططون ، فإنّ الإقتران بعلاقة زوجية أو نسبية لا يعطي مبرراً للانحراف والانسياق مع الأهواء الضالّة المُضلّة .
ولعلّك اطلعت على شبّان وفتيات عاشوا في بيوت منحرفة ، حيث الأب سكّير يعاقر الخمرة ولا يصلّي ولا يصوم ويجترح السيِّئات والمنكرات جهاراً نهاراً ، والأمّ ساهية لاهية أو مغلوب على أمرها ، وقد تعيش الانحراف في التبرّج والتغنّج ، لكنّك ترى أبناءً ملتزمين وفتيات محتشمات لا يقرّون آباءهم وأمّهاتهم على ما هم عليه من ضلال ، ومرجع ذلك إلى تقدير واعٍ  و دقيق لخطورة ما يقوم به الآباء والأمّهات مما يجعل الأبناء والبنات ينفرون من ذلك ويقرفون منه ويهربون إلى الله لينجيهم من عمل آبائهم وأمّهاتهم ، وهؤلاء كآسية التي عاشت في البيت المنحرف ولم تنحرف .
ولا يخفى أنّ موقع الفتاة أو الشاب في البيت المؤمن والأسرة الصالحة له خصوصيته ، فالناس ـ كما قلنا ـ ينظرون إلى البيت والأسرة ككل مكتمل ، ولا ينظرون إلى أفراده كلاًّ على انفراد ، فانحراف أيّ عضو فيه سيصيب بالأذى أعضاءه الآخرين ، وكما أنّ نساء النبي لسن كأحد من النساء لموقعهنّ الخاص من النبي ومن المجتمع ، فكذلك نساء وبنات وأولاد المؤمنين العاملين الصالحين .
فقد ترى بعض بنات وأبناء وزوجات العلماء والعاملين والدعاة والقياديين والمسؤولين ، سبّة على آبائهم ، ومع ان (نوحاً) (عليه السلام)لا يتحمّل وزر عمل ابنه فكذلك المؤمنون الذين لا يتحملون وزر أعمال أبنائهم المنحرفين إلاّ بقدر تقصيرهم في تربيتهم ، لكننا نؤكد أنّ بعض الآباء الصالحين والأمّهات الصالحات قد يطمئنون إلى أنّ صلاحهم لوحده كاف في أن يجعل أسرهم صالحة فلا يبذلون الجهد المطلوب لإصلاحهم وتربيتهم تربية حسنة ، فصلاح الأبناء والبنات ليس انعكاسياً أو تلقائياً أو عفوياً أو بالتبعيّة ، وإنّما هو جهد يُبذل وثقافة تُحمل ، وتربية تتواصل .

 

استخـلاصات :

 بعد هذه الجولة في قصص القرآن والنماذج المتقابلة نخلص إلى :
1 ـ إنّ النماذج الخيّرة لا تنمو في الفراغ ، وإنّما تنطلق من قاعدة فكرية وإيمانية وروحية متينة ، ولذا فإنّ من سماتها الاستقرار والتماسك والثبات على المبدأ .
2 ـ إنّ النماذج الشريرة تتحرك بايحاءات الجهل والغريزة وضغط التيار ولذا فهي رجراجة ، متأرجحة ، متذبذبة ، حيثما مالت الريح تميلُ .
3 ـ النماذج الخيِّرة مُحبّة ، عطوفة ، مسامحة ، وادعة تتحسس الخير في داخلها وتنشره على مَنْ حولها ، شأنها شأن الورود العطرة .
4 ـ النماذج الشريرة ، قاسية ، فظّة ، عدوانية ، متكبرة ، تجرح مشاعر الناس وتؤلمهم وتتعبهم فهم كإبر الشوك .
5 ـ البيئة ليست وحدها المسؤولة عن بناء شخصية الانسان ، فبإمكانه أن يتمرّد عليها ، وأن لا يكون جزءاً من المحيط المنحرف الضال الفاسد الشرير .
6 ـ العناصر الخيرة ذات علاقة وطيدة بالله سبحانه وتعالى ، تحبه وتطيعه وتلجأ إليه في مواقف الضعف لينجيها من مخالب الإغراء والعنف ، على خلاف العناصر الشريرة التي قطعت حبال الوصل مع الله ووضعت يدها بيد الشيطان .
7 ـ الانسان موقف .. قل لي أيَّ موقف وقفت ؟ أقل لك مَنْ أنت !

 وأبطال القصص القرآنية شواهد شاخصة ـ الخيِّرة منها والشريرة ـ على أن قيمة الانسان بقيمة موقفه .
8 ـ قصص الخيِّرين تفتح القلوب على الخير ، والعقول على المعرفة ، والروح على حبّ الله ، والحياة على الانسانية السمحاء ، ولذا ندعو إلى قراءة المزيد منها سواء في القرآن أو في الكتب الأخرى ، لأنّها جزء أساس من ثقافتنا التربوية التي تساهم في صياغة شخصيات شباننا وفتياتنا ليكونوا نماذج أخرى ليوسف ، وإسماعيل ، وآسية ، ومريم ، وموسى ، وبنتي شعيب .

 

 

 

نسألكم الدعاء

 

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


p>